الشنقيطي

117

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وقد جمع إيذاء الكفار لرسول اللّه مع إيذاء قوم موسى لموسى في قوله تعالى : يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ [ النساء : 153 ] الآية . ومن مجموع هذا يتبين أن الإيذاء المنصوص عليه هنا هو في خصوص الرسالة ، ولا مانع من أنهم آذوه بأنواع من الإيذاء في شخصه ، وفي ما جاء به فبرأه اللّه مما قالوا في آية الأحزاب وعاقبهم على إيذائه فيما أرسل به إليهم بزيغ قلوبهم ، والعلم عند اللّه تعالى . وقوله : فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ، تقدم كلام الشيخ رحمة اللّه تعالى عليه على هذا المعنى في سورة الروم ، عند الكلام على قوله تعالى : ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ [ الروم : 10 ] الآية . وقال : إن الكفر والتكذيب قد يؤدي شؤمه إلى شقاء صاحبه ، وساق هذه الآية فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وقوله : فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً [ البقرة : 10 ] . وأحال على سورة بني إسرائيل على قوله : وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً [ الإسراء : 46 ] . وعلى سورة الأعراف على قوله : فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ ( 101 ) [ الأعراف : 101 ] . ومما يشهد لهذا المعنى العام بقياس العكس قوله تعالى : وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ [ محمد : 17 ] وأمثالها . ومما يلفت النظر هنا إسناد الزيغ للقلوب في قوله تعالى : فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ . وأن الهداية أيضا للقلب كما في قوله تعالى : وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [ التغابن : 11 ] . ولذا حرص المؤمنين على هذا الدعاء : رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا [ آل عمران : 8 ] فتضمن المعنيين ، والعلم عند اللّه تعالى .